WordmarkSoft launch
Logo
مدونة

“الكاتب” يبان من عنوانه

محمد فراتي

18.08.2026

برطمان زجاجي مفتوح على منصة برتقالية وحوله فراشات طائرة على خلفية زرقاء

برطمان زجاجي مفتوح على منصة برتقالية وحوله فراشات طائرة على خلفية زرقاء

أخبر وأنا صغير كان جمب بيتنا منطقة من الشجيرات الصحراوية اللي تطير بينها فراشات بريّة، كنت أطلع مع باقي الأطفال بالحي ومعنا برطمان زجاجي ونحاول نصيد هالفراشات، التحدّي كان أنك تلاحقها وتمسكها بطريقة ما تفلت فيها من يدك وتهرب، بنفس الوقت تحافظ عليها داخل قبضة يدك بوزنية ما تفعصها وتنهي حياتها، ثم تنزّلها بشويش في البرطمان وتقفّل عليها

للأمانة مدري ليه كنّا نسوي هالفعالية العجيبة ونأذي هالمخلوقات الضعيفة، بس اللي أعرفه أن هالأكتفيتي يشبه اللي قاعدين نسويه كل يوم ككريتفز، الأفكار دايم تتخبّى وتحوم بالأجواء حولنا، وحنّا نركض ونحاول نصيدها مهما تمنّعت، نسجّلها عشان ما تطير، نشدشدها ونقفّل عليها بعنوان وتاقلاين رهيب!

وسط هالركض وعشان نقدر نحدّ الفكرة الرهيبة ونحطّها بزاوية ونمسكها، الخروج بـ "عنوان" شيء مهم جدًا، سواءً كان هالعنوان اسم للحملة أو شعار نصّي للفكرة، وأهميته ما تكمن في العنوان بحد ذاته ولكن لكونه يمثّل البرطمان اللي نحاوط فيه الأفكار ونقفّل عليها، العنوان ما هو مجرّد خليط لغوي من كلمات ذكية وجميلة تطلع معك فجأة، ولا هو رمية من غير رامٍ تنحط لملء الفراغ، ولكن هو اختزال لبروسس تفكيرك واستنتاجك وإنسايتك، ومحاولة لتلخيص توجهاتك الاستراتيجية والإبداعية في إطار لغوي واضح ومختصر وسهل الفهم

كنت أسولف ذاك اليوم مع حسّان وقال لي بأن "كتابة العناوين" هي حِرفة الكاتب المبدع والفن السهل الممتنِع، لأن المقال والحملة والإعلان غالبًا "يبان من عنوانه"، هو الباب والمدخل للفكرة، وبنفس الوقت هو قفلتها والمخرج منها، العنوان يخلق فضولًا أو يختصر كل اللي بتقوله، العنوان يشبه فكرة "بيت القصيد في الشعر" يثير إعجابك، يعطيك الزبدة، أو يغنيك عن الكثير من الشرح والإسهاب

التحدّي بالخروج بعنوان رهيب يكمن في أنك تختزل ملفّات طويلة وجلسات عصف ذهني وسالفة كاملة بكلمتين أو ثلاث، وقوة العناوين تستشعرها دايمًا بعد أي موسم إعلانات، لمّا تلقى نفسك تتذكر حملات وفيديوهات وتبحث عنها بعناوينها اللي حبّيتها وحفظتها: "وطنّا وطنهم"، "وطن تحلم فيه"، "مندوب المراجل"، "عندك هواية، عندك سالفة"، "نينجا ما يوصّل، نينجا يجيب"، "إعلان بيض" وغيرها

العنوان تقدر توصل له عن طريق "الأمثال" على سبيل المثال، أو تستخلصه من حديث الناس وعباراتهم الدارجة، وساعات ممكن تطلع بمزيج كلمات جديد محد سبقك عليه، أهم شيء إنك تعتني فيه وتمخمخ في صياغته، وتكون دايمًا "للإبداع عنوان"!