WordmarkSoft launch
Logo
مدونة
رجوع

المجال يتغيّر

حسان الأنصاري

16.08.2026

يشارك

جدار من الطوب مغطى بملصقات إعلانية وقد فُتحت فيه فجوة كبيرة

جدار من الطوب مغطى بملصقات إعلانية وقد فُتحت فيه فجوة كبيرة

اشتغلت في مجال الدعاية والإعلان أكثر من ١٤ سنة. أسّست وشاركت وكالات، وشفت أجيال تدخل وتطلع.

اليوم أشوف تغيير جذري يمس المجال من كل النواحي، العرض والطلب، والميزانيات والتكاليف، وأوقات التسليم وحتى الوظائف والفرص.

للأسف هذا الشي حقيقي، وهذا التغيير مو الأول... ومتأكد ما راح يكون الأخير.

مو أول مرة يمر المجال بتغيير كهذا!

مو أول مرة يكون في تغيير يغير طريقة عمل الوكالة ونوع احتياجها من المواهب والموارد البشرية!

في السبعينات والثمانينات، كانت الإعلانات تُصنع بأيدي الرسامين والخطاطين. ما فيه فوتوشوب، ما فيه كمبيوتر. جاء الكمبيوتر، جاء الفوتوشوب والإليستريتر... وفي سنوات، اختفت مهنة كاملة. الرسّام اللي ما تطوّر، اختفى، لأن جا بداله مصمم يستخدم برامج!

أول سقوط للجدار بين الإنسان والآلة

مع دخول الكمبيوتر، بدأ يتضاءل الفارق بين الموهبة اليدوية كالرسم والخط، والموهبة المدعومة بالآلة. الآلة ابتلعت المهارة: صار الشخص الواحد يقدر يسوّي شغل كان يحتاج فريق كامل.

المتخصص اللي ما يملك إلا حرفة يدوية واحدة صار قابل للاستبدال. واللي طلع للسطح هو المبدع اللي يعبر بين الأدوار، لأن الأداة تكفّلت بالتنفيذ.

لكن مازال سقوط هذا الجدار سقوط جزئي وليس كامل

صحيح إن الآلة دمجت الأدوار، بس هذا الدمج استمر داخل حدود المجال الواحد. المصمم صار يقدر يسوي شغل الرسّام والخطّاط والمنفّذ، لأنها كلها تصبّ في التنفيذ البصري.

لكنه بقي مصمم. ولم يعبر إلى عالم الكلمة، ولا كان مطلوب منه يكتب سطر إعلاني واحد. الجدار بين "اللي يصمّم" و"اللي يكتب" بقي واقفًا.

كل تخصص احتفظ بحدوده الكبرى، إلى أن جاء من هدمها كلها.

سقوط الجدار كلّيًا

لأول مرة، ما عاد المصمم حبيس العالم البصري. المصمم صار يكتب. والكاتب صار يصمّم. الجدار اللي وقف عقود بين "اللي يرسم" و"اللي يكتب" انهار في لحظة. المصمم يطلب الآلة فتنتج له نصوص إعلانية، والكاتب يكتب وصف فتطلع له صورة. ما عاد فيه تخصص محصّن.

لأول مرة في تاريخ المهنة، الحدود بين كل الأدوار - مو بس البصرية - بدأت تختفي فعلاً.

في كل مرة، الآلة تضرب في نفس النقاط

لو رجعت للتاريخ، بتلاحظ إن دخول الآلة كان يضرب في ثلاث نقاط أساسية: السرعة، والتكلفة، والجودة.

العمل اللي كان ياخذ أيام بيد الرسّام، صار ساعات. التكلفة نزلت لأن شخص واحد يسوي شغل فريق. والجودة اللي كانت حكر على المحترف، صارت في متناول المبتدئ.

نفس القصة تتكرر اليوم مع الذكاء الاصطناعي، بس بسرعة وعمق أكبر بكثير.

الذكاء الاصطناعي كسر المثلث

عقود ونحن نعيش تحت قانون واحد: تقدر تختار اثنين بس من ثلاثة. تبي شغل سريع وجيد؟ بيغلى. تبيه رخيص وجيد؟ بياخذ وقت.

هذا القانون انكسر.

ليش انكسر؟ لأن الأدوار صارت في متناول الجميع. المصمم يكتب، والكاتب يصمم. لما تسقط الحواجز بين التخصصات، يسقط معها الوقت الضائع والتكلفة الزائدة. وتقدر تحصل على جودة عالية، بسرعة، وبتكلفة أقل.

والسرعة بشكل خاص صارت اليوم هي الفارق. اللي ينجز أسرع، يكسب.

طيب وش بقى؟

وسط كل هذا الهدم، فيه عنصر واحد ما قدرت الآلة تتقنه "إلى الآن": الفكرة.

الذكاء الاصطناعي يكتب، يصمّم، ينفّذ بسرعة مذهلة. لكنه ما يعرف ليش. ما يفهم السياق الثقافي، ولا اللحظة الإنسانية، ولا الحدس اللي يخلّي فكرة تضرب وفكرة ثانية تمر مرور الكرام. هو ممتاز في "كيف تُصنع"، ضعيف إلى الآن في "ماذا يستحق أن يُصنع، ولماذا الآن".

كل التقنيات اللي مرّت، ما استبدلت المفكّر بل استبدلت المنفّذ. اللي بيبقى هو صاحب الفكرة، لا صاحب الأداة. اشحذ عقلك قبل أدواتك: فالأداة تُتعلّم في أيام، والفكرة تُبنى بالخبرة والبحث.

العقل اللي ما يتوقف عن التطور، هو اللي يبقى في المقدمة مهما تغيّر السباق.

اجمع بين الذكاء البشري، والذكاء الاصطناعي.. تفوز

المفكّر اللي يرفض الـ AI، فكرته حبيسة، بطيئة، تسبقها أفكار غيره حتى لو بجودة أقل. واللي يستخدمه بدون فكرة، نتائجه زي غيره. اللي يبقى هو اللي جمع الاثنين: عقل يفكّر، وآلة تنفّذ بسرعة.

الذكاء الاصطناعي ما راح ياخذ وظيفتك، بس المبدع اللي يستخدمه، هو اللي راح ياخذها.

ما هي معركة إنسان ضد آلة. هي معركة مبدع يتقن الأداة ضد مبدع تأخر في تبنيها. بالضبط زي الرسامين اللي كان يظنون أنهم عصب الصناعة، قبل ما يجي أحد يتقن illustrator و photoshop وياخذ شغلهم.

ليش كل هذا يصير بهذي السرعة؟ ليش الحين؟

الاقتصاد يتغيّر، وميزانيات الجهات والشركات تنكمش، والتوترات الجيوسياسية ترتب الأولويات. العميل اللي كان يصرف، صار يسأل: كيف آخذ نفس الجودة بنص التكلفة ونص الوقت؟ والوكالات اللي تبي تعيش، صارت مجبرة تتبنى الآلة لتنتج أكثر بتكلفة أقل وبسرعة.

اللي يخلّي التحول حتمي: مو أن التقنية موجودة فقط، بل لأن السوق ما يعطي أحد ترف الانتظار. اللي ما يتكيّف، السوق بيسبقه.

فالسؤال مو "هل أتعلّم الذكاء الاصطناعي؟" السؤال: هل ألحق قبل ما يفوتني المجال؟

استكشاف بلوق أخرى

استكشاف الكل